ياقوت الحموي
510
معجم البلدان
دير الرصافة : هو في رصافة هشام بن عبد الملك التي بينها وبين الرقة مرحلة للحمالين ، وسنذكرها في بابها ، وأما هذا الدير فأنا رأيته ، وهو من عجائب الدنيا حسنا وعمارة ، وأظن أن هشاما بنى عنده مدينته وأنه قبلها ، وفيه رهبان ومعابد ، وهو في وسط البلد ، وقد ذكر صاحب كتاب الديرة أنه بدمشق ما أرى إلا أنه غلط منه ، وبين الرصافة هذه ودمشق ثمانية أيام ، وقد اجتاز أبو نواس بهذا الدير وقال فيه : ليس كالدير بالرصافة دير ، فيه ما تشتهي النفوس وتهوى بته ليلة ، فقضيت أوطارا ، ويوما ملأت قطريه لهوا وكان المتوكل على الله في اجتيازه إلى دمشق قد وجد في حائط من حيطان الدير رقعة ملصقة مكتوب فيها هذه الأبيات : أيا منزلا بالدير أصبح خاليا ، تلاعب فيه شمأل ودبور كأنك لم تسكنك بيض أوانس ، ولم تتبختر في فنائك حور وأبناء أملاك غياشم سادة ، صغيرهم عند الأنام كبير إذا لبسوا أدراعهم فعنابس ، وإن لبسوا تيجانهم فبدور على أنهم يوم اللقاء ضراغم ، وأنهم يوم النوال بحور ولم يشهد الصهريج ، والخيل حوله ، عليه فساطيط لهم وخدور هذا شاهد على أن هذا الدير ليس بدمشق لان دمشق أكثر بلاد الله أمواها ، فأي حاجة بهم إلى الصهريج وإنما الصهريج في الرصافة التي قرب الرقة ، شاهدت بها عدة صهاريج عادية محكمة البناء ، ويشرب أهل البلد والدير منها ، وهي في وسط السور . وحولك رايات لهم وعساكر ، وخيل لها بعد الصهيل شخير ليالي هشام بالرصافة قاطن ، وفيك ابنه ، يا دير ، وهو أمير إذ العيش غض والخلافة لدنة ، وأنت طرير والزمان غرير وروضك مرتاض ، ونورك نير ، وعيش بني مروان فيك نضير بلى ! فسقاك الله صوب سحائب ، عليك بها بعد الرواح بكور تذكرت قومي بينها فبكيتهم بشجو ، ومثلي بالبكاء جدير لعل زمانا جار يوما عليهم لهم بالذي تهوى النفوس يدور فيفرح محزون وينعم بائس ، ويطلق من ضيق الوثاق أسير رويدك ! إن اليوم يتبعه غد ، وإن صروف الدائرات تدور فارتاع المتوكل عند قراءتها واستدعى الديراني وسأله عنها ، فأنكر أن يكون علم من كتبها ، فهم بقتله فسأله الندماء فيه وقالوا : ليس ممن يتهم بميل إلى دولة دون دولة ، فتركه ، ثم بان أن الأبيات من شعر رجل من ولد روح بن زنباع الجذامي من أخوال ولد هشام بن عبد الملك .